ژان باتيست تاورنيه

15

رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق

إن القوافل التي تقصد البصرة سالكة هذا الطريق ، لا تتحرك حتى موسم هطول الأمطار ، لئلا يعوزها الماء وهي في قفر البادية . ويندر أن يمسك المطر حتى كانون الأول من كل سنة . إن القافلة التي رافقتها ، تحركت في يوم عيد الميلاد ، وكانت تتألف من أربعمائة رجل بين سادة وخدم ، ونحو ستمائة بعير . وكان الكروان باشي « 1 » وحده ممتطيا صهوة فرسه ، متقدما القافلة لارتياد أماكن المياه واختيار الأماكن الصالحة للمبيت . أما أنا فأعترف بأنني أرحت نفسي بركوب حصاني الذي احتفظت به طوال إقامتي في حلب . ولا يخفى أن حرية الاحتفاظ بالخيل لا يسمح بها للإفرنج إلا في القسطنطينية وإزمير وحلب . أما في دمشق وصيدا والقاهرة ، فلا يجيزون ذلك لغير القناصل . ولسائر الناس امتلاك أو استكراء الحمير دون غيرها . وهي تتيسر في الدروب العامة دائما . وفي اليوم الثاني ، رحلنا فجرا ، وعند الظهر بلغنا مكانا فيه خمس آبار ، بين البئر والأخرى خمسمائة خطوة ، وماؤها عذب جدا ، فملأنا قربنا منها ، وفي نحو الساعة الرابعة من بعد الظهر نزلنا في بقعة لا ماء فيها . وفي اليوم الذي يليه ، صادفنا قبيل الظهر بئرين كان ماؤهما مجّا لم يشربه غير الجمال . وعندهما بتنا ليلتنا أيضا . لقد مر على سفرنا الآن يومان في البادية ، التي سأصفها وصفا موجزا : إنك بعد أن تبتعد فرسخين « 2 » أو ثلاثة فراسخ من حلب تدخل البادية فلا يقع نظرك على غير الخيم المنصوبة بدلا من المساكن المشيدة . وتمتد هذه البادية

--> ( 1 ) لفظة تركية ، ورد ذكرها غير مرة في هذه الرحلة . والمراد بها « رئيس القافلة » الذي ينتخبه المسافرون من بينهم ويناط به تعيين أوقات الحل والرحيل ، واختيار أماكن المبيت ، والفصل أيضا في المخاصمات التي قد تنشب بين رجال القافلة ، وتمثيل القافلة لدى أصحاب الشأن في البقاع التي تمر بها . ( 2 ) كثيرا ما يستعمل تافرنييه لفظة « الفرسخ » للدلالة على الأبعاد . والفرسخ زهاء ثلاثة أميال أو خمسة كيلومترات .